محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
503
شرح حكمة الاشراق
وإن لم يكن كذلك : فإن كانت هناك مناسبة يمكن الوقوف عليها والتّنبّه لها ، كما إذا صورّت المعنى بصورة لازمه أو ضدّه أو شبهه ، فإنّ النّفس إذا أدركت العدوّ حاكته المتخيّلة بالحيّة أو الذّئب ، وإن أدركت الملك حاكته ببحر أو جبل ، احتيج حينئذ إلى التّعبير ، وهو تحليل بالعكس ، أي رجوع من الصّور الخياليّة الجزئيّة إلى المعاني النّفسانيّة الكّلّيّة ؛ وإن لم تكن مناسبة على الوجه المذكور ، فتلك الرّؤيا ممّا ( 256 ) تعدّ في أضغاث الأحلام الحاصلة من دعابة المتخيّلة . وإن ثبتت جزئيّة وحفظتها الحافظة على وجهها ، ولم تتصرّف المتخيّلة المحاكية للأشياء بتمثيلها بغيرها ، صدقت هذه الرّؤيا من غير احتياج إلى التّعبير ، وإن كانت المتخيّلة غالبة ، أو إدراك النّفس للصور ضعيفا ، سارعت المتخيّلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النّفس بمثال ، وربما بدّلت ذلك المثال بآخر ، وهكذا إلى حين اليقظة . فإن انتهى إلى ما يمكن أن يعاد عليه بضرب من التّحليل ، فهو رؤيا تفتقر إلى التّعبير ، وإلّا فهو من أضغاث الأحلام ، هذا ما تتلّقاه النّفس عن المبادى عند النّوم ، وأمّا ما تتلّقاه عند اليقظة فعلى وجهين : أحدهما : أن تكون النّفس قويّة وافية بالجوانب المتجاذبة ، لا يشغلها البدن عن الاتّصال بالمبادئ المذكورة ، وتكون المتخيّلة قويّة بحيث تقوى على استخلاص الحسّ المشترك عن الحواسّ الظّاهرة . وإذ ذاك فلا يبعد أن يقع لمثل هذه النّفس في اليقظة ما يقع للنّائمين من غير تفاوت ، فمنه ما هو حىّ صريح ، لا يفتقر إلى التّأويل ، ومنه ما ليس كذلك ، فيفتقر إليه ، أو يكون شبيها بالمنامات الّتى هي أضغاث أحلام إن أمعن المتخيّلة في الانتقال والمحاكاة وثانيهما : أن لا تكون النّفس كذلك ، فتستعين حال اليقظة بما يدهش الحسّ ويحيّر الخيال ، كما سبق ، وفي الأكثر إنّما يكون ذلك في ضعفاء العقول ومن هو في أصل الجبلّة إلى الدّهش والحيرة ما هو . وإن لم تكن الصّور الّتى أدركها النّفس للاتّصال بذلك العالم ، لحصول فراغها عن البدن ، فهذا إن كان في حالة النّوم فهو الّذى يقال له أضغاث أحلام على